• ×

الأحد 12 صفر 1440 / 21 أكتوبر 2018 اخر تحديث : 02-12-1440

علي الوشمي ،،،،،،،، ( رواية ) الفصل (٦) .. صالح العديلي

بواسطة : admin
 0  0  270
منذ الرابعة عصرا وعمي سالم يقاطع بين ساقيه المعروقتين ، ويتردد بين سويق القهوة وعتبة "الدكة" في حركة محمومة لايمكن رصدها بالعين المجردة ، ولا تطاق ، ولايتوقع أحد الجالسين نتائجها ، ولا ماينتج عنها من قلق متلون ، واضطراب ، وتوجس ما أنزل الله به من سلطان !!

أحضرت أم فضة المشلح الصيفي لعمي سالم ، الذي أعد خطة للبسه ، وخلعه ، ولوّح به ، وعلقه على أحد أغصان الرمانة المتدلية على دكته ، وأعاد ارتداءه ، والسير فيه ،، والعودة الى الدكة ،،،

بعد أن قاطع بين " كرعانه " واتكأ على جنبه الأيمن ، وبثنيته البارزة بدأ في قضم أظافره وشاربيه ،، وبأطراف أصابعه تحسس خارطة وتضاريس شعر وجهه المتناثرة بغير نظام !! انبرى قائلا :
"تمادى علي الوشمي ، وبرع في اختلاس فترة مابعد صلاة العشاء ، التي ينام فيها والده ، وانتظم في طابور طويل مع زملائه ، لحضور سينما الجبلين الذي كان يتمنى التسجيل في صفوفه لاعبا ، ينافس جهابذة اللاعبين الذين يحظون بحب الجمهور والناس ، ويتلألأ فضاء المنطقة بأسمائهم اللامعة ، ويحققون الانتصارات لفرقهم المحلية ، الجبلين والطائي ويعتلون منصات التتويج لاستلام كؤوس الانتصار ، وميداليات التكريم التي تضيء سماء المنطقة في نهاية كل موسم رياضي ،،،

" لم يكن ذلك الحلم الذي رآه علي الوشمي في منامه مقدمة كافية لتلك الكوارث التي حلت بأسرته فيما بعد ،، والذي كما يروي زملاؤه وبعض أقاربه أنه فتت تلك العائلة الصغيرة التي كانت ترقد أمنة مطمئنة على مقربة من أكتاف وأطراف المدينة الصغيرة !!

" كما أنه لم يكن نهاية لتلك المناوشات التي تبادلوا فيها كافة أنواع وأشكال الشتائم واللعنات ، وتنابزوا بألقاب جديدة ، ووصفوا أعداءهم في الفرق الأخرى ب " دليقان" و " رقيعان " و" كوبان " و " ذنيب الذيب " و" خشيم الذيب " و " زقم الحصني " و"السعلواني" و"السعلوة " ، و" رجل السلقه " و" الزيدي" و" بياع المرق " و " أم الخريان" و" حمار ابن غيثار" و"حمارة ،،،،، " و " حمارة القايلة " و " الوطوط " ،،و "فار الطحين " و " بسة الماقد " ووصفوا من لايستطيع المشي ب " عريج " ومن لايستطيع السمع ب " أصقه الكلاب " واختاروا لهم اسماء البساسة والكلاب والحمير والقردة والخنازير ، والنطيحة والمتردية ، وما أكل السبع ، وعقارب الطين ، وقمل العجين !! "

ويضيف عمي سالم :
" علي الوشمي ذات مساء حدث العبيدي ، والكثير من أصدقائه عن تلك الحية " أم جنيب" التي رآها في المنام في الجزء الجنوبي من مزرعة والده ، وتركها في سبيلها خوفا من أنيابها وسمومها ، ولكنها لم تتركه فقد تتبعته في تلك الليلة ، وتبعت خطاه ، وأخرجته من المزرعة ، واستمرت في مطاردته في المزارع الأخرى إلى إن استقر به الحال في الأحياء البعيدة من المدينة ،،، وأفاق من نومه وهو يعظ على غترته المعرفطة ، ويبكي ، ويجيب نداء والدته الذي يأتيه من البعيد !!

في سينما النادي وبعد أن أضيئت الأنوار بعد الفيلم الأول ، تلثم علي الوشمي ، وأخفى ملامح محياه وعينيه ، لكن فراسة خاله لم تمهله ، فقد وجد علي الوشمي نفسه وجها لوجه مع خاله الشرير ، الذي ، كما يؤكد عمي سالم ، أجبره الفراغ ، ونفسه المؤذية والخبيثة على توظيف مهاراته الخبيثة في تتبعه ، ومراقبة تحركاته ، وتسليم والده ، يوميا ، خارطة مكتملة الخطوط والمسافات توضح بالتفصيل الممل خطوط سيره !!

حضر الخال ذات ليلة غائمة ومظلمة وحالكة السواد ، وغابت أقمارها ونجومها ، وأخبر الوالد بتلك المحطة التي آلت إليها أقدام إبنه علي الوشمي ، والتي ربما أنها تنال من شرف وسمعة العائلة ،، وقال :
" علي الوشمي ، أيها السادة المغفلون ، كان في دار السينما في نادي الجبلين ، وتمادى ، وتجاوز الخطوط الحمراء ، وحضر الفلمين بكاملهما ،، وأضاف : أنه كأنما قتل الناس جميعا ، ولايستحق إلا أن يصلب ، وتقطع يداه وقدماه ، أو ينفى من الأرض ، أو يحرم من الميراث ،،،"

جحظت عينا الأب ، وتنفخت أوداجه ، وزمجر ، وأبرق وأرعد ، وقال كلاما لم تقله العرب في سوق عكاظ ، ولا في مجلس الأمن ، ولم تقله الإذاعات الغربية في ابن لادن !!

" نكث جلده " بنعل "المساجدية" ، وتناول عصا "الطبر" ، وضربه علقة ساخنة اختلفت فيها عظام صدره وترقوته ، وحرمه من الخروج ، ومنعه من ممارسة هوايته ، وفي اليوم الثالث حلف بالطلاق والحرام أن يطلق والدته إن هو رآه في المنزل ، أو في أطراف المدينة أو ضواحيها !!!
ضرب الوالد الغشيم والشرس ، الأرض بعصاه ، وتطاير الزبد من شفتيه ،، وكرر قائلا بلهجته العامية :
" باكر العصر عليّ الطلاق من أمك إن أنا رأيتك في هذا المنزل !! "

ارتعدت فرائص علي الوشمي ، وتصبب عرقا ، ووقف شعر صدغيه ورأسه ، وارتعدت فرائص والدته المسكينة ، ونزلت تلك العبارات المنتنة على رأسيهما كالصواعق التي تقض قمم الجبال في جبلي أجا وسلمى !!

وقف علي الوشمي أمام والدته ، وفقد قدرته على التعبير ، وتلاقت عيناهما ، وماتت بين فكيهما لغة الكلام ،، واتفقا على تأجيل ردة فعلهما ، طمعا في خطوة تراجع يبدأها الأب ، ويوقف تلك البراكين التي تشكلت في صدريهما ، وتأهبت لقذف حممها ، والتعبير بنفس القسوة التي اقترفها الأب ، وصفق لها الخال ، واكتوى بجحيمها علي الوشمي ووالدته المغلوبة على أمرها !

أم علي ، والدة علي الوشمي ، بقية من ملامح جمالية أظلها الحياء بجناحيه ، وترتسم بسمة موجعة على محياها ، وندوب تناثرت ، وخطوط وتعرجات ، ومسبحة قديمة تهش بها كآبتها ، ولا أحد يعرف مالذي تخفيه بين أضلاعها ،، وتاهت الكثير من أسرارها ومعاناتها في تلافيف وخلايا جمجمتها ،،وسجل الكثير منها ضد مجهول !! ،

بكت ، ثم بكت ، ثم بكت ، وولولت ، وأغرقت بالبكاء والنواح والعليل ، ولم تكن ، في بداية الأمر ، تدرك أن ماتقوم به قد يفاقم المشكلة ، ويضاعف من تداعياتها ،، ويقودها إلى منحنيات ومنعطفات خطرة !!

ضاعت هويتها ، وتساقطت أعمدة آمالها ،، ولم تعد تفكر ، فيما يرضي زوجها وفلذة كبدها الوحيد ،،. غابا وغابت معهما أكلات " الكبيبا " والجريش ، والمطازيز ، وما يصاحبها ، أو يسبقها ، أو يتلوها ، من المقبلات ، والمشهيات ، وحليب الماعز بمشتقاته التي تجيدها ، وتتفنن في تقديمها !!

الولد طرد ، وغادر المكان ، والوالد لم يعد ذلك الوالد الحنون الذي يتصدر مجلسه ويتفقد رواده قبل كل وجبة تجتمع لها العائلة الصغيرة !!
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:33 مساءً الأحد 12 صفر 1440 / 21 أكتوبر 2018.