• ×

الأحد 20 ربيع الأول 1441 / 17 نوفمبر 2019 اخر تحديث : 03-20-1441

عربة قطار الجبلين _ قصة قصيرة (صالح العديلي)

بواسطة : news
 0  0  7075
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
إخبارية الجبل _ صالح العديلي :

في صباح يوم ربيعي مفعم بالحب والود ، ومحاط بالهدوء والصمت بين مجموعة من العجائز والشيبان المتقاعدين الذي يستمتعون بقضاء جل نهارهم الطويل في السفر في عربة القطار بين مدينتهم والمدن المجاورة لهم ، دلف أب في الأربعين من عمره عربة القطار ومعه أطفاله الثلاثة ،، وتبدو على تعرجات محياه وعينيه أثار الإرهاق ، والتعب ، والإجهاد ، والسهر !
تنهد ، وتنفس ملء رئتيه ، وصدرت منه بعض الآهات والتأوهات الهامسة ،، وما أن اسند ظهره ورأسه الى إحدى المقاعد القريبة من مدخل العربة حتى أغمض عينيه المنهكتين ، وغط في نوم عميق ،، وترك صغاره الثلاثة يعبثون بالعربة ، ويضايقون الركاب بصراخهم ، وبحركاتهم الطفولية ،، تراكضوا ، وتطاردوا فيما بينهم ، وقفزوا على الكراسي والمقاعد ، وعبثوا بمحتويات طاولات الركاب ، وطيروا أوراقهم ، ومزقوا جرائدهم ، وسكبوا فناجين قهوتهم على ملابسهم ، وعلى أرضية العربة ،، ونثروا حاجياتهم ، وأغراضهم الشخصية !!

بدت ملامح الاستغراب والاستهجان ، والامتعاض والغضب تتنامى وترتسم على أوجه الشيبان المتقاعدين ،، وبدأوا في تبادل نظرات الاستهجان ، ثاروا ، وغضبوا ، واشتكوا الى بعضهم البعض ،، وتشاورا فيما بينهم ،، وتبادلوا الرأي ،، فقرروا أن يوقظوا والدهم ، ويتحدثوا اليه ، ويخبروه بما يجري من أولاده من عبث بعربة القطار ، وبالفوضى التي حلت بهم منذ ركوبه العربة !!
اتفقوا على أن يقوم جاره في المقعد بإيقاظ والدهم من نومه العميق ، ويخبره بما فعله ويفعله أولاده !!
التفت الجار الى الرجل ، وهمّ بإيقاظه ، وبينما هو كذلك اذا بالرجل يفتح عينيه المغمضتين ، وينظر اليه ، ويسلم عليه ، ويحييه بلغة مؤدبة ،وهادئة وحزينة ومنكسرة !!
تراجع الجار العجوز الى الوراء قليلا ، وقال للرجل :
" دخلت مسرعا ، وجلست مسرعا ، ونمت مسرعا ، وتركت أبناءك يعبثون بالعربة ، ،، وأضاف بلهجة غاضبة :
" انظر ماذا فعلوا ؟ لقد سكبوا الشاي والقهوة والماء والعصائر على مقاعدنا وطاولاتنا ، وثيابنا ،،
،،، انظر ماذا فعلوا بجرائدنا ، وبأقداح شاينا وقهوتنا ،،،،،
،،، ماذا تنتظر أن يفعلوه بنا ؟ "

اعتدل الرجل في جلسته ، وتوجه بمحياه الى جميع ركاب العربة ، وفرد شفتيه عن ابتسامة بائسة ،، وقال ، بمفردات حزينة ومنكسرة ، ومشوبة بكحة وحشرجة في الصدر :
" انا آسف ياسادة ، واعتذر عما بدر من أطفالي ،، ويعلم الله أنني لم أكن نائما ،، ولم أتذوق طعم النوم منذ أشهر ،، ولكني الأن ، وبعد دخولي بوابة العربة ، ومنذ أن أسندت رأسي إلى هذا المقعد ، وأنا أفكر كيف أخبر هؤلاء الصبية الصغار أن والدتهم توفيت في المستشفى منذ ساعة !!!!
هبطت هذه المفردات الحزينة كالصاعقة على رؤوس جميع الكائنات الحية داخل العربة !

هيمنت على أرجاء العربة نوبة حادة من الهدوء والصمت ،، تنهد الجميع ، وتغيرت ملامح وجوههم ، وفزعوا ، وقام كل من في العربة ، واحتضنوا الصغار ، وقبلوهم ، وعلا بينهم النواح والعويل ، وتناثرت دموعهم الحرى على خدودهم وأصداغهم ، واختلطت بألوان ملابسهم ، وتحولت العربة الى مأتم عزاء ، وفي محطة القطار التي نزل فيها الأطفال مع والدهم ، نزل جميع الركاب ، ورافقوا الأطفال ووالدهم الى منزلهم ، وشاركوهم حزنهم على والدتهم ، وأتموا معهم مراسم العزاء ،،

سُبحان ٱلَلَه.. نحكم على الناس بَــما نراه ونسمعه من الآخرين ، نتفق على ضلالة ، ونتآمر على الانتقام منهم ، والإضرار بهم ، ولو كنا نعلم خفايا قلوبهم لخرست ألسنتنا..
...اللهم أحسن سريرتنا ، واجعل ما بيننا وبينك عامرا في الدنيا والآخرة ..وارزقنا حسن الظن بعبادك .

بقلم : صالح العديلي

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:38 مساءً الأحد 20 ربيع الأول 1441 / 17 نوفمبر 2019.